ابن ميثم البحراني

73

شرح نهج البلاغة

الوقت يقرأ كتابا وكانت اليهود يقرؤن التوراة والنصارى الإنجيل . قلت : إنّ الكتاب الَّذي تدعيّه اليهود وتسميّه في ذلك الوقت التوراة ليس هو الكتاب الَّذي انزل على . موسى عليه السّلام فإنّهم كانوا حرّفوه وبدلوه فصار كتابا آخر بدليل قوله تعالى « قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيراً » ( 1 ) وظاهر أنّه من حيث هو مبدّل ومحرّف ليس هو المنزّل على موسى عليه السّلام ، وأمّا الكتاب الَّذي تدّعى النصارى بقاءه في أيديهم فغير معتمد على نقلهم فيه لكونهم كفّارا بسبب القول بالتثليث ، وأمّا النافون للتثليث فهم في غاية القلَّة فلا يفيد قولهم : إنّ ما في أيديهم هو إنجيل عيسى . علم فإذن لا يكون المقرّ ولهم حال مبعث محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم كتابا هو من عند اللَّه . سلَّمناه لكن يحتمل أن يريد بالعرب جمهورهم فإنّ أكثرهم لم يكن له دين ولا كتاب وإنّما كان بعضهم يتمسّك بآثار من شريعة إسماعيل وبعضهم برسوم لهم . وقوله : فساق الناس حتّى بوّأهم محلَّتهم . الإشارة بسوقه لهم إلى سوقه العقليّ لأذهانهم بحسب المعجزات إلى تصديقه فيما جاء به بحسب ما جاءهم من القرآن الكريم والسنّة النبويّة وإلى معرفة سبيل اللَّه ، ثمّ بحسب الترغيب لبعضهم والترهيب للبعض إلى سلوك تلك السبيل . فأصبحوا وقد تبوّؤوا محلَّتهم : أي منزلتهم ومرتبتهم الَّتي خلقوا لأجلها ، وكانت هي مطلوب العناية الأزليّة بوجودهم في هذا الدار وهي لزوم القصد في سبيل اللَّه المسمّى إسلاما ودينا وإيمانا وهو في الحقيقة المنجاة الَّتي لا خوف على سالكها ولا سلامة للمنحرف عنها ، وذلك معنى قوله : وبلَّغهم منجاتهم . وقوله : واستقامت قناتهم . والمراد بالقناة : القوّة والغلبة والدولة الَّتي حصلت لهم مجازا وهو من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب فإنّ الرمح أو الظهر سبب للقوّة والشدّة ، ومعنى إسناد الاستقامة إليها انتظام قهرهم ودولتهم .

--> ( 1 ) 6 - 91